الجاحظ

139

رسائل الجاحظ

والأمانة . وقد يسخر الملك لقوم بأسباب قديمة وأسباب حديثة فلا يزال ذلك الملك مقصورا عليهم ما دامت تلك الأسباب قائمة ، فليس إذا كانوا للملك مسخرين وكان الناس لهم مسخرين بالجبرية والنخوة والفظاظة والقسوة ولطول الاحتجاب والاستتار وسوء اللقاء والتضييع ، وقد يكون الانسان مسخرا لأمر ومخيرا في آخر ولولا الأمر والنهي لجاز التسخير في دقيق الأمور وجليلها وخفيفها وظاهرها ، لأن بني الإنسان انما سخروا له إرادة العائدة عليهم ولم يسخروا للمعصية كما لم يسخروا للمفسدة . وقد تستوي الأسباب في مواضع وتتفاوت في مواضع ، كل ذلك ليجمع اللّه تعالى لهم مصالح الدنيا ومراشد الدين ، ألا ترى أن أمة قد اجتمعت على أن عيسى عليه السلام هو اللّه ، وأمة قد اجتمعت على أنه ابن اللّه ، وأمة اجتمعت على أن الآلهة ثلاثة عيسى أحدها ، ومنهم من يتذبذب ، ومنهم من يتدهر ، ومنهم من يتحول نسطوريا بعد أن كان يعقوبيا ، ومنهم من أسلم بعد أن كان نصرانيا ! ولست واجدا هذه الأمة مع اختلاف مذاهبها وكثرة تنقلها انتقلت مرة واختلفت مرة متعمدة أو ناسية في يوم واحد فجعلته وهو الجمعة يوم السبت . ولم تخطب في يوم جمعة بخطبة يوم خميس ، ولا غلطت في كانون الأول فجعلته كانون الآخر ، ولا بين الصوم والافطار ، لأن الباب الأول في باب الامكان وتعديل الأسباب والامتحان ، والباب الثاني داخل في باب الامتناع وتسخير النفوس وطرح الامتحان . وقد زعم ناس من الجهال ونفر من الشكاك ممن يزعم أن الشك واجب على كل شيء إلا في العيان أن أهل المنصورة وافوا مصلاهم يوم خميس على أنه يوم الجمعة في زمن منصوري ، وأن أهل البحرين جلسوا عن مصلاهم يوم الجمعة على أنه يوم خميس في زمن أبي جعفر فبعث إليهم وقومهم . وهذا لا يجوز ولا يمكن في أهل الأمصار ولا في العدد الكثير من أهل القرى ، لأن الناس من بين صانع لا يأخذ أجرته ولا راحة له دون الجمعة ، وبين تجار قد اعتادوا الدعة في الجمع والجلوس عن الأسواق ، ومن بين معلم كتاب لا يصرف غلمانه إلا في الجمع ، ومن بين معني بالجمع يتلاقى هناك ومع المعارف والاخوان والجلساء ، وبين معني بالجمع حرصا على الصلاة ورغبة في الثواب ، ومن رجل عليه موعد ينتظره ، ومن